أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي
329
شرح مقامات الحريري
وقوله : « ينزو ويلين » ؛ هذا مثل يضرب لمن يتعزز ثمّ يذلّ ، ويقال : إن أصله أن الجدي ينزو وهو صغير فإذا كبر لان . وقوله : « لابسا جلد النمر » ، هذا مثل يضرب للمتّقح الجريء ، لأن النمر أجرأ سبع وأقله احتمالا للضيم ، ومن هذا اشتقاق قولهم : تنمّر ، أي صار مثل النّمر . وقوله : « فألحق بالقارظين » الأصل في القارظ الذي يجني القرظ ، وهو النبات المدبوغ به ؛ والقارظان المشار إليهما أحدهما من عنزة والآخر من النّمر بن قاسط ، خرجا يجنيان القرظ فلم يرجعا ، ولا عرف لهما خبر ، فضرب بهما المثل لكل غائب لا يرجى إيابه ، وإليهما أشار أبو ذؤيب في قوله : [ الطويل ] وحتّى يثوب القارظان كلاهما * وينشر في القتلى كليب لوائل « 1 » وقوله : « حروري بسمومي » ، الحرور : الرّيح الحارة ليلا ، والسّموم : الريح الحارة نهارا ، وقد يقام أحدهما مقام الآخر مجازا . وقال بعضهم : الحرور يكون ليلا ونهارا ، والسموم يختصّ بالنهار . وقوله : « ليث عريسة » يعني مأوى السبع ، ويقال فيه . عرّيس وعرّيسة بإثبات الهاء وحذفها ، كما يقال : غاب وغابة وعرين وعرينة . فأمّا الغيل والخيس فلم يلحقوا بهما الهاء . وقوله : « أفلت وله حصاص » هذا المثل يضرب لمن نجا من هلكة أشفى عليها بعد ما كاد يهوي فيها . والحصاص : العدو ، وقيل إنه الضراط . وقوله : « ويل أهون من ويلين » ، هذا المثل يضرب تسلية لمن ناله بعض المكروه ، ومثله قول الراجز : [ الطويل ] أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشرّ أهون من بعض « 2 » وقوله : « أنا نئق ، وأنت مئق ، فكيف نتفق » ، هذا المثل يضرب للمتنافيين في الخلق ؛ فإنّ التّئق هو الممتلئ غيظا ؛ مأخوذ من قولهم : أتأقت الإناء ؛ إذا ملأته . والمئق هو الباكي ؛ فكأن التئق ينزع إلى الشر لغيظه ، والمئق يضيق ذرعا باحتماله ، ومثله قول بعضهم : أنا كلف ، وأنت صلف ، فكيف نأتلف ! وقوله : « لطيّتي » يعني لقصدي ووجهتي ، وقد يقال فيها : طية ، بالتخفيف .
--> ( 1 ) البيت لأبي ذؤيب الهذلي في شرح أشعار الهذليين ص 147 ، ولسان العرب ( قرظ ) ، وتهذيب اللغة 9 / 68 ، وتاج العروس ( قرظ ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 763 ، وديوان الأدب 1 / 354 . ( 2 ) البيت لطرفة بن العبد في ديوانه ص 66 ، والدرر 3 / 67 ، والكتاب 1 / 348 ، ولسان العرب ( حنن ) ، وهمع الهوامع 1 / 190 ، وتاج العروس ( حنن ) ، وبلا نسبة في جمهرة اللغة ص 1273 ، وشرح المفصل 1 / 118 ، والمقتضب 3 / 224 .